|
الحمد لله الذي لا
يبلغ أحد كفاء نعمته، ولا معادلة فضله وإحسانه، والصلاة والسلام على عبده
المجتبى ورسوله المصطفى وخاتمة عقد رسالاته المبعوث للناس أجمعين برسالة رب
العالمين، والداعي إلى صراط الله المستقيم، ودينه القويم سيدنا ونبينا محمد صلى
الله عليه وسلم... وبعد،،،
فهذا جمع لشعب
الإيمان في ترتيب لم يسبق إليه وتنسيق بديع قد وفق الله إليه: يعرف قارئه بحقيقة
الإيمان، وكيفية بنائه، وأين تقع أسسه وأركانه، وسوره وأبوابه، وزخارفه ونقوشه
وألوانه، وكيف يتذوق المؤمن حلاوته، ويعيش في بستانه وجنته.
وأسأل الله أن
يرزقني تمامه وكماله كما رزقني بدايته وافتتاحه، وأن يلهمني رشدي ويقيني شر
نفسي.
الإيمان
هو الدين كله:
اعلم -رحمني الله
وإياك- أن الإيمان هو الدين كله، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
[الإيمان بضع وستون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن
الطريق، والحياء شعبة من الإيمان].
فدل ذلك على أن كل
ما أمر الله به من خبر يجب تصديقه، أو عمل يوجب أو يستحب فعله، فهو داخل في مسمى
الإيمان.
فالشهادتان،
والصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والصدق، والصبر،
والأمانة، والحلم، والحياء.. كل ذلك من شعب الإيمان.
ولما كان الأمر
يستلزم ترك ضد المأمور. كان الإيمان هو الدين كله أمراً
ونهياً.
وبيان ذلك أن الأمر
بالتوحيد نهى عن الشرك ولا يكون العبد موحداً لله إلا إذا ترك الشرك كله، فشهادة
أن لا إله إلا الله تقتضي نفي كل شريك مع الله، وإثبات الألوهية لله وحده، وكذلك
الأمر بالصلاة نهي عن إضاعتها، والأمر بالحياء نهي عن الفحش والفجور، وسقوط
المروءة، والأمر إماطة الأذى عن الطريق نهي في ذات الوقت عن أذية المسلمين،
وإلقاء الأذى في الطريق!!
وهكذا تصبح كل شعبة
من شعب الإيمان قد أمر العبد بها يقابلها شعبة من شعب الكفر أو النفاق، أو
الظلم، قد نهى عنها العبد.
ومجيء النص بالنهي
عن شعب الكفر والشرك والنفاق والظلم هو من باب التأكيد والبيان، وإلا فالأمر
بالشيء يستلزم بالضرورة النهي عن ضده.
الشعبة
الأولى: لا إله إلا الله:
أول شعبة من شعب
الإيمان وأعلاها هي شهادة أن لا إله إلا الله، وهذه الشعبة هي أعظم الشعب
وأعلاها وأهمها ويتضمن شهادة أن لا إله إلا الله المعاني الآتية:
(1) معنى الإله: الإله في اللغة هو
المعبود حقاً كان أو باطلاً فكل ما يقدس، ويعبد، ويرجى منه النفع، ويخاف منه
الضر تسميه العرب إلهاً، ولذلك سموا الشمس (الإلهة) وسموا أصنامهم آلهة، واتخذوا
الملائكة آلهة بعد ما اعتقدوا أنهم بنات الله، وأن لهم شفاعة عند الله، وكان لكل
قبيلة من العرب صنماً لهم، حتى اجتمع عليها وقت الرسالة ثلاثمائة وستين صنماً لم
تحطم إلا بعد فتح مكة.
ولما دعاهم الرسول
صلى الله عليه وسلم إلى عبادة الله وحده.
قالوا: {أجعل
الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب} {وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على
آلهتكم إن هذا لشيء يراد}. الآيات
وقال قوم إبراهيم
لما حطم إبراهيم عليه السلام أصنامهم: {من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين}
{قالوا أأنت فعلت هذا بآبائنا يا إبراهيم}
وتسمية الكفار
أصنامهم ومعبوداتهم آلهة إنما هو من باب إطلاق الأسماء على غير مسمياتها لأن هذه
المعبودات التي عبدوها من دون الله ليست آلهة في ذاتها، وعندما عبدت وهي لا
تستحق العبادة، فإن الإله في الكون كله لا يكون إلا واحداً، ومحال أن تتعدد
الآلهة وبيان هذا في الفقرة التالية.
لا
يستحق الألوهية إلا الخالق الرازق المالك:
الألوهية لا
يستحقها إلا من خلق عبده، وأوجده من العدم، ورزقه،وملكه، فمن هذه صفته فهو الذي
يستحق أن يعبده العبد وأما من لا يخلق، ولا يرزق، ولا يملك فكيف يكون إلهاً
معبوداً. فمن عبد مخلوقاً مثله، مساوياً له في الاحتياج والفقر، أو مخلوقاً أعلى
منه، ولكنه كذلك محتاج إلى غيره، فقير إلى إلهه ومولاه، فهو ضال بلا شك، ومن عبد
من لا يملك لعابده نفعاً ولا ضراً، فقد وضع العبادة في غير محلها وأضل من ذلك من
عبد من دونه في الخلق كالصنم الذي لا يسمع ولا يبصر، ولا يغني عن عابده شيئاً،
بل هو نفسه محتاج إلى عابده لأنه هو الذي يصنعه، ويقيمه ويدافع عنه، فكيف يرجو
العبد من لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، ولا يملك لعابده نفعاً ولا ضراً، وأضل
من هذا من يعبد عدوه الذي لا يريد له إلا الضر، ولا يسعى إلا في هلاكه ولو عبده
ما عبده ما انفك عن عداوته، ولا قصر في خباله، وهذا حال عابد الشيطان سراً أو
جهراً، قالاً أو حالاً علم أنه يعبده أو جهل أنه يعبده، لا أضل من هذا إذ كيف
يقدس الإنسان من لا يريد به إلا الضر، ولا يسعى له إلا في الهلاك والشر.
والعجب أن عامة
البشر على هذا الضلال!! فهي تعبد وتؤله من لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً، أو من
يضرهم ولا ينفعهم.
الإله
لا يكون إلا واحداً:
والألوهية محال أن
تكون في الكون إلا لإله واحد لأنه لو فرض أن يوجد في الكون إلهين لفسد هذا الكون
بالضرورة لأن وجود إلهين كل منهما يخلق ويرزق ويملك ويحيي ويميت سيوجب بالضرورة
أن يعلو كل منهما على الآخر، وأن يعادي كل منهما الآخر، ويحاربه ليكون الملك له
وحده، والخضوع له وحده، أو أن يذهب كل إله منهما بما خلق، وينفصل كل منهما عن الآخر،
قال تعالى: {بل جئناهم بالحق وأنهم لكاذبون ما اتخذوا الله من ولد وما كان معه
من إله، إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون}
ولو كان هناك أكثر
من إله لحصل الفساد في الكون. قال تعالى: {قل لو كان معه آلهة كما
يقولون إذاً لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً}
أي لو كان هناك
آلهة مع الله كما يدعي المشركون لاتخذ هؤلاء الآلهة طريقهم إلى مغالبة صاحب
العرش.
تعالى الله أن يوجد من يغالبه، بل جميع الموجودات هي من مخترعاته ومصنوعاته، وكل
شيء في الوجود غيره إنما هو من صفته وإبداعه وخلقه وهو في قبضته ومشيئته وتحت
قهره وحكمه، لا يخرج صغير أو كبير عن أمره وقضائه. قال تعالى: {لو كان فيهما
آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون} والمعنى لو كان في
السموات والأرض آلهة إلا الله لفسدت السماوات والأرض وذلك بحرب هؤلاء الآلهة
بعضهم بعضاً، ومغالبتهم للرب الإله!! سبحانه وتعالى أن يوجد من يغالبه أو يشاركه
في صغير أو كبير في الملك.
وحدة
الخلق دليل على وحدة الخالق:
ومن أعظم الأدلة
على أن الإله واحد لا إله غيره ولا رب سواه، هو وحدة الخلق، فالسموات والأرض ومن
فيهما وما فيهما في وحدة متناسقة متجانسة وكأنها أجزاء في آلة واحدة، أو أعضاء
في جسد واحد أو لبنات في بناء متناسق بديع، كل لبنة منه في مكانها الصحيح، ولو
اقترح تعديل شيء أو تبديل شيء عن موضعه، ونقله إلى غير مكانه لأدى ذلك إلى فساد
عظيم، فالشمس في مكانها من الأرض تماماً، ولو اقتربت منا شيئاً لاحترقنا، ولو
بعدت عنها شيئاً لتجمدنا، والقمر في مكانه منا تماماً، ولو اقترب منا لأغرقتنا
البحار ولو ابتعد عنها لانهارت الحواجز بين العذب والمالح من بحارنا، والهواء
الذي نستنشقه وبه حياتنا من حيث خواصه ومكوناته مناسب للحياة تماماً، وأي تبديل
فيه يعني نهاية الحياة على الأرض، وهكذا كل شيء إنما هو بمقدار وميزان. قال
تعالى: {إنا كل شيء خلقناه بقدر}، وقال تعالى: {ولقد جعلنا في السماء بروجاً
وزيناها للناظرين* وحفظناها من كل شيطان رجيم* إلا من استرق السمع فاتبعه شهاب
مبين* والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون* وجعلنا
لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين* وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا
بقر معلوم* وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماءً فأسقيناكم وما أنتم له
بخازنين* وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون* ولقد علما المستقدمين منكم ولقد
علمنا المستأخرين* وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم} (الحجر:16-25)
وهذه الوحدة
المتناسقة في الخلق كله من الذرة الصغيرة إلى المجرة الكبيرة من أعظم الأدلة على
أن الخالق إله واحد لا إله إلا هو سبحانه وتعالى وأنه ليس هناك من ينازعه أو
يغالبه أو يشاركه.
الإله
الواحد لم يجعل لأحد معه شركة في خلق أو أمر أو ملك أو عباده:
والرب الإله الواحد
الذي خلق الخلق كله، وأبدع العالم وحده، وهو رب العالمين، وليس معه رب غيره، قد
جعل الخلق له وحده، ولم يشأ أن يكون لغيره خلق ذرة واحدة من هذا الكون حتى لا
يدعي مدعى أن له شركة معه في الملك، وهكذا فالملائكة لا يخلقون، والجن لا يخلقون
والإنس لا يخلقون، بل كلهم مخلوقون، وكما جعل الله سبحانه وتعالى الخلق له وحده،
فقد جعل الرزق له وحده، لأن الرزق فرع الخلق فهو الذي ينزل المطر، ويخرج الزرع،
ويقدر أقوات عباده، وهو الذي ذخر الأرض بما ذخر من المعادن والخيرات. قال تعالى:
{الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً
لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار* وسخر لكم الشمس
والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار* وأتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمت
الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار} (إبراهيم:32-34)
وقال تعالى: {والله
أنزل من السماء ماءاً فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون* وإن
لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبناً خالصاً سائغاً
للشاربين* ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً إن في ذلك
لآية لقوم يعقلون* وأوحي ربك إلي النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر
ومما يعرشون* ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللاً يخرج من بطونها شراب
مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون* والله خلقكم ثم
يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد من علم شيئاً إن الله عليم
قدير* والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما
ملكت أيمانهم فهم فيه من أنفسكم أزواجاً وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم
من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هو يكفرون* ويعبدون من دون الله ما لا
يملك لهم رزقاً من السموات والأرض شيئاً ولا يستطيعون* فلا تضربوا لله الأمثال
إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون} (النحل:65-74)
وقال تعالى: {خلق
السموات والأرض بالحق تعالى عما يشركون* خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين*
والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون* ولكم فيها جمال حين تريحون
وحين تسرحون* وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم
لرءوف رحيم* والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون* وعلى
الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين* هو الذي أنزل من السماء ماءً
لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون* ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب
ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون* وسخر لكم الليل والنهار والشمس
والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذل لآيات لقوم يعقلون* وما ذرأ لكم في الأرض
مختلفاً ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون* وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه
لحماً طرياً وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبلغوا من فضله
ولعلكم تشكرون* وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهاراً وسبلاً لعلكم تهتدون*
وعلامات وبالنجم هو يهتدون* أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون* وإن تعدوا نعمة
الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم* والله يعلم ما تسرون وما تعلنون* والذين
يدعون من دون الله لا يخلقون شيئاً وهو يخلقون* أموات غير أحياءٍ وما يشعرون
أيان يبعثون* إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم
مستكبرون} (النحل:3-22)
وهكذا فإن الرب
الإله سبحانه وتعالى هو الذي خلق السموات والأرض وما فيهما، وجعل جميع العالمين
ممن أسكنهم السموات والأرض (الملائكة والجن والإنس، والطير، والوحش) كلها فقيرة
محتاجة إلى إلهها وخالقها إذ هو المتكفل وحده سبحانه وتعالى بإيجادها وإحيائها،
وموتها ورزقها، وهو العليم بها الذي لا يغيب عنه صغير ولا كبير من أمرها. قال
تعالى: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها كل
في كتاب مبين}
وقال تعالى: {وما
من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من
شيء ثم إلى ربهم يحشرون}
خلق
الله الخلق لحكم عظيمة ومنها أن يعبدوه وحده لا شريك له:
وقد خلق الله
سبحانه وتعالى هذا الخلق الذي لا يحصيه غيره، ولا يحيط به علماً سواه لحكمة
عظيمة يعلمها هو سبحانه وتعالى، ومن ذلك ما أخبرنا به جل وعلا وهو أن يعبده وحده
لا شريك له ونسبحه وننزهه، ونقدسه، ونحمده، وأخبرنا أنه يحب ذلك وأنه لا يرضى من
عباده سواه. قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق
وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين}
وقال تعالى:
{أفحسبتم إنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا
إله إلا هو رب العرش الكريم، ومن يدع مع الله إلهاً آخر فإنما حسابه عند ربه إنه
لا يفلح الكافرون}
وقال تعالى: {وما
خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح
الجميل}
وقال تعالى: {وما
خلقنا السموات والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من
النار أم نجعل الذي آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين
كالفجار}
وقال تعالى: {وما
خلقنا السمات والأرض وما بينهما لاعبين، ولو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه من
لدنا إن كنا فاعلين}
وقال تعالى: {وما
خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين، ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا
يعلمون، إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين} (الدخان:38-40)
الله
غني عن خلقه أجمعين والمخلوقات كلها فقيرة إليه:
والرب الإله الواحد
سبحانه وتعالى غني عن خلقه كلهم فلا يحتاج إلى شيء من مخلوقاته لا إلى عرشه ولا
إلى كرسيه ولا ملائكته ولا الجن والإنس ولا السموات والأرض بل هو الغني سبحانه
وتعالى عن كل ما سواه، الحي القيوم الذي لا يؤوده شيء، ولا يصيبه نصب ولا لغوب،
ولا يكرثه أمر، ولا يعجزه شيء وكل المخلوقات في حاجة إليه إذ هو سبحانه وتعالى
خالقها ومدبر شؤونها، ومقيمها حيث تقوم ومزيلها كيفما يشاء، ووقتما يشاء، وهو
الذي أعطى كل شيء قدره ومقداره، وحده وأركانه وتصرفه وبقاءه، وهو الذي يملك
فناءه وزواله لا إله غيره، ولا رب سواه.
والعبادة التي خلق
الله الخلق من أجلها لا تنفعه كما أن معصية العصاة لا تضره، ولا يستطيع أحد أن
يزيد في ملك الله شيئاً ولو ذرة، ولا أن ينقص من ملكه شيئاً، ولو ذرة واحدة.
ولا يبلغ أحد من
خلق الله نفع الله فينفعه، ولا ضر لله فيضره [يا عبادي إنكم لن تبلغوا نفعي
فتنفعوني، ولن تبلغوا أخري فتضروني].
الرسل
جميعاً من أجل هذه الرسالة:
ومن أجل هذه المهمة
أرسل الله الرسل. قال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة
رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} والطاغوت هو كل من عبد من دون الله
راضياً بذلك، مريداً لذلك، ورأس الطواغيت هو إبليس الملعون وذريته الداعين الناس
إلى معصية الله، وعبادة الأصنام والآلهة الباطلة، والأصنام طواغيت.
وقد أخبرنا سبحانه
وتعالى أن عباد الطواغيت هم وآلهتهم التي عبدوها يلقون جميعاً في النار: العابد
والمعبود. قال تعالى: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون لو
كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون}
وأما الذين عبدوا
من دون الله بغير رضاهم كعيسى ابن مريم عليه السلام، وأمه عليها السلام، فإنهم
مبرءون من الإثم، مبعدون من النار وذلك أن الذين عبدوهم قد عبدوهم بغير رضاهم،
فإن عيسى لم يطلب من عابديه أن يعبدوه بل ما أمرهم إلا ليعبدوا الله وحده لا
شريك له، وأخبرهم أنه عبد الله وليس إبناً لله، وأن الأمر كله والخلق كله لله،
وأنه ليس له مع الله أمر أو شركة، ولذلك يبكت من عبدوا عيسى عليه السلام يوم
القيامة ويفضحون على رؤوس الأشهاد، ويظهر لكل الناس في الموقف العظيم يوم
القيامة أنهم كانوا كاذبين في ادعائهم أن عيسى إن الله وأنه إله كامل من إله
كامل يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويدخل الجنة،ويدخل النار، ويدين الأحياء والأموات،
ويجلس يوم القيامة على يمين أبيه ليدين الخلق ويحاسبهم. تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً
أن يكون له ولد أو أن يكون معه إله...
وقد قص الله سبحانه
وتعالى علينا في القرآن كيف ستكون الندامة الكبرى يوم القيامة لمن عبدوا المسيح
ابن مريم فقال الله سبحانه وتعالى: {يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا
لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب* إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك
وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلاً وإذ علمتك الكتاب
والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها
فتكون طيراً بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت
بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين*
وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون* إذ
قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء
قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين* قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن
قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين} (المائدة:109-113)
وهكذا يظهر للجميع
كذب من قال إن عيسى هو ابن الله إله من إله، يخلق ويرزق ويحيي ويميت، ويدين الأحياء
والأموات، وأنه يعبد كما يعبد الله، وهذه أكبر كذبة في الأرض، وقد صدقها
الملايين من البشر بعد الملايين، وعاشت عليها أجيال وقتل في سبيلها خلق لا
يحصيهم إلا الله، وأنفق في سبيل نشرها وترويجها أموال لا يحصيها إلا الله وذلك
منذ ظهرت هذه الكذبة قبل نحو ألفي عام وإلى يومنا هذا فسبحان من يضل من يشاء
ويهدي من يشاء والعجب أن الذي افتروا هذه الكذبة الكبيرة لم يستطيعوا أن يقيموا
عليها دليلاً عقلياً واحداً، ولا عندهم بها إثارة علم، فكيف يعقل أن يكون بشر
مولود من رحم امرأة يأكل ويشرب ويبول ويتغوط وينام ويمرض ويجوع ويعطش ويتألم
إلهاً خالقاً للكون رازقاً للبشر متصرفاً في العباد!!
والعجب أن الذين
افتروا هذه الفرية وأصموا آذانهم عن سماع الحق من قول عيسى نفسه، ومن قول الذين
آمنوا به حقاً وصدقاً ومن قول الرسول الخاتم المبعوث بالرسالة الخاتمة إلى الناس
أجمعين، ومثيل ذلك وبعده من قول رب العالمين وإله الخلق أجمعين الذي أنزل في
التوراة والإنجيل والقرآن أنه الواحد الأحد الذي لا إله إلا هو ولا رب سواه وأنه
لم يتخذ قط صاحبة ولا ولداً، والعجب أن يصموا آذانهم عن كل ذلك ويغلقوا أعينهم
عن رؤية الحق، ولا يفتحوها إلا يوم القيامة حيث لا ينفعهم عند ذلك السمع والبصر
قال تعالى: {اسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين}
والمعنى ما أسمعهم
وما أبصرهم يوم القيامة!! عندما يقفون بين يدي الله الرب الإله الواحد سبحانه
وتعالى حيث يعلمون علم اليقين أنه لا إله هو، وأنه لم يكن له ولد أو كان معه إله
غيره... ولكن هؤلاء الظالمين الذين لا يقحمون آذانهم وأعينهم إلا يوم القيامة قد
كانوا في ضلالهم سادرين غافلين، مكابرين مصرين في الدنيا. قال تعالى حاكياً حال
هؤلاء الضلال في الدنيا والآخرة: {ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون*
ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون* وإن
الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراطي مستقيم* فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين
كفروا من مشهد يوم عظيم* اسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال
مبين* وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون* إن نحن نرث
الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون} (مريم:34-40)
لا إله
إلا الله أظهر الحقائق على الإطلاق وأكثر الحقائق تكذيباً على الإطلاق:
كون أن الله سبحانه
وتعالى هو الإله الحق الذي لا إله إلا هو هي أعظم الحقائق ظهوراً فبراهين هذه
الحقيقة وأدلتها لا يمكن حصرها، ولا يستطيع أحد عدها، ومع ذلك فلا يوجد حقيقة
حصل لها من التكذيب ووقع فيها من الضلال والعناد ما وقع في هذه الحقيقة.
فإن عامة البشر إلا
القليل منهم مكذب في هذا الأمر أو ضال، وقليل من العباد من هداهم الله إلى شهادة
أنه سبحانه الإله الواحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد والذي لا إله غيره،
ولا رب سواه، ولكن عامة الإنس والجن مكذبون جاحدون ضالون عن هذه الحقيقة فسبحان
من له الأمر كله، وإليه يرجع الأمر كله، وسبحان من هدى من شاء إلى معرفته وطاعة
وعبادته، وأضل من شاء فأصمه وأعمى بصره.
وسبحان الله
القائل: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم
أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم
الغافلون} (الأعراف:179)
والحمد لله رب
العالمين،،
|
إظهار الرسائل ذات التسميات 5 دقائق. إظهار كافة الرسائل
إظهار الرسائل ذات التسميات 5 دقائق. إظهار كافة الرسائل
الخميس، 24 أكتوبر 2013
لنتعلم كيف نختلف
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه وسلم .
وبعد : يقول الله - عز وجل - : { إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون } .
يقول الرسول ، صلى الله عليه وسلم : " لا تختلفوا فتختلف قلوبكم " .
متفق عليه . لم يكن شيء أبغض إليه ، صلى الله عليه وسلم ، بعد الكفر من الاختلاف
والتنازع ، ومن أجل ذلك ، قال : " الجماعة رحمة والفرقة عذاب " . [ رواه
أحمد ] . وجعل الخلاف والنزاع هو سبب الهلاك ، فقال : " إنما هلك بنو إسرائيل
بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم " . [ رواه مسلم وأحمد ] . ولقد كره
سلفنا الصالح الخلاف والشقاق واعتبروه شراً لا خير فيه . قال ابن مسعود - رضي الله
عنه - : " الخلاف شر " . ولكن مشيئة الله - سبحانه وتعالى - قد اقتضت أن
تتفاوت العقول ، وتتباين المدارك ؛ مما يؤدي إلى تعداد الآراء والاجتهادات ، وقد
أشار القرآن الكريم إلى أن الخلاف بين البشر من سنن الله الكونية . قال - تعالى -
: { ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك
خلقهم } . نود أن نشير هنا إلى أن الاختلاف الذي يقع بين الأمة منه ما يكون في
أمور العقيدة والأصول ، ومنه ما يكون في مسائل الفروع والأحكام ، ولا خلاف في أنه
بالنسبة للنوع الأول لابد من الإنكار على من خالف العقيدة الصحيحة ، ولابد من دحض
شبهات أصحابه ، فهذه الأمور قد بينها الله ورسوله أجلى بيان ، والمخالف فيها مخالف
لأمور قطعية لا تقبل النقاش والجدال . وأما النوع الثاني فهو الذي نقصده بحديثنا
هنا ، ونُريد أن نبين شيئاً من الأدب الذي كان يلتزمه السلف الصالح إذا ما وقع
بينهم شيء من هذا الخلاف . يقول الشيخ رشيد رضا في تقدمته لكتاب ( المغني ) لابن
قدامة : " ولما كان الاختلاف في الفهم من طبائع البشر خصّ الاختلاف المذموم
بما كان عن تفرقة أو سبباً للتفرق ، وجرى على ذلك السلف الصالح فحظروا فتح باب
الآراء في العقائد ، وجعلوها في الفروع ، وكان بعضهم يعذر بعضاً في المسائل
الاجتهادية ولا يكلفه موافقته في فهممه " . اهـ . إن مثل هذه الصورة
المتسامحة التي ذكرها الشيخ رشيد عن السلف الصالح ، جعلت بعض أهل العلم يحاولون أن
يجعلوا اختلاف الأمة في مسائل الأحكام رحمة ، وذكروا في ذلك حديث : " اختلاف
أُمتي رحمة " . ولما كان هذا الحديث لا أصل له كما يقول المحدثون ، فقد قال
بعضهم وهو الإمام السيوطي : " لعلّ له أصلاً " . كان في بعض الكتب في
سقط ، هذا بينما ينكر بعض العلماء ، كابن حزم أن يكون الاختلاف رحمة على أي وجه من
الوجوه ، ويراه كله عذاباً ، وأيما كان الأمر فإننا نُريد أن نصل إلى قضية مهمة
وهي كيف نعالج وجود هذا الخلاف ؟ وكيف نتعامل معه ؟ فتلك قضية جديرة بالبحث
والدراسة ، ذلك أن الأمة قد ابتليت على مدار تاريخها بمن يسيء فهم هذه القضية .
لقد وصل الحال ببعض الحنفية المتأخرين أن يأبوا أن يزوجوا بناتهم من الشافعية أو
يتزوجوا هم من نسائهم ؛ وذلك لأن الشافعية يُجوّزون أن يستثنى المرء في إيمانه ،
فيقول : أنا مؤمن - إن شاء الله - ، وهذا عند الحنفية غير جائز ، ثم تساهل بعضهم
فقالوا : لا بأس أن نعامل الشافعية معاملة أهل الكتاب فنتزوج نساءهم ولا نزوجهم
نساءنا . أما العامة فحدّث عن تعصبهم لأئمتهم ولا حرج ، وقد ذكر الشيخ رضا في
تقدمته لكتاب ( المغني ) : " أنه علم أن أفغانياً حنفياً كسر سبابة رجل كان
يصلي إلى جواره ؛ لأنه وجده يُشير بها في التشهد " ، ولقد كان الناس في بعض
البلدان إلى عهد قريب يصلون في المسجد الواحد أربع جماعات ، لكل مذهب جماعة وإمام
، وإحقاقاً للحق فإن هذه الصورة الذّميمة قد انقرضت من كثير من بلدان المسلمين ،
ومع انتشار الصحوة الإسلامية المباركة نأمل أن تزول البقية الباقية منها ، ولكن
القضية الأصلية لم تنته بهد ، بل نكاد نقول : إنه يوشك أن يحل محل هذا التعصب
المذهبي تعصب من نوع آخر ، ذلك أن الكثيرين من أبناء الحركة الإسلامية المعاصرة
لما نبذوا التقليد المذهبي الأعمى ، فإنهم يعتبرون ما وصلوا إليه من آراء في مسائل
الفقه والأحكام ، يعتبرونه الحق الذي ما بعده إلا الضّلال ، وينكرون على من خالفهم
في ذلك ، وما نُريد هنا أن نسلك مسلك المغالين الذين يتّهمون هؤلاء الإخوة بأنهم
يقصدون إحداث شرخ في الحركة الإسلامية ، فضلاً عن أن نتهمهم بالعمالة لأعداء الله
، كما يفعل من بعض الناس ، ولكن نريد فقط أن نوضح لإخواننا هؤلاء كيف كان السلف
يختلفون . أدب الخلاف من خلال كتاب الله :
إننا نلمح في كتاب الله - عز وجل - إشارات إلى أدب الخلاف ، فمن ذلك ما رواه البخاري عن عبد الله ، قال : كاد الخيّران أن يهلكا أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - رفعا أصواتهما عند النبي ، صلى الله عليه وسلم ، حين قدم عليه ركب من بني تميم ، فأشار أحمدهما بالأقرع بن حابس ، وأشار الآخر بالقعقاع بم معد بن زرارة ، فقال أبو بكر لعمر : ما أرد إلا خلافي ، قال عمر : ما أردت خلافك ، فارتفعت أصواتهما في ذلك ، فأنزل الله - تعالى - : { يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي } . الآية . . قال ابن الزبير : " فما كان عمر يسمع رسوله الله ، صلى الله عليه وسلم ، يعد هذه الآية حتى يستفهمه " . وهذا النص يوضّح لنا كيف نختلف في الرأي ومع ذلك لا يعتدي بعضنا على بعض ، ولا ترتفع أصواتنا عند الخلاف . ومن ذلك قوله - تعالى - : { ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله . . } . الآية . . وكانوا قد اختلفوا في قطع الأشجار ، فقطع قوم وترك آخرون ، فجاء القرآن مُقراً لكليهما غير مُعنف لأي منهما . ومن ذلك قوله - تعالى - : { وداود وسليمان إذ يحكمان الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين . ففهّمناها سليمان وكلا آتينا حكماً وعلماً . . } الآية . . فخص سليمان بالفهم ، وأثنى عليهما بالحكم والعلم ، ومن هذين النصين نستخلص : أن القرآن الكريم يذكر طائفتين اختلفا ، ومع ذلك لا يذمّ واحدة منهما ؛ ليعلّمنا أنه في مثل هذه الأمور ينبغي أن يقرّ بعضنا بعضاً . وفي قصة سليمان وداود ما يشير - والله أعلم - إلى أن الرأيين ليسا متساويين ، بل حكم سليمان أصوب ؛ لأنه خص بالفهم ، ومع ذلك أثنى عليهما جميعاً بالحكم والعلم . أدب الخلاف في السنة النبوية :
وقد نجد في سنة رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ما يعلّمنا أدب الخلاف - أيضاً - ، فمن ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم من أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال يوم الأحزاب : " لا يُصلين أحدكم العصر إلا في بني قريضة " . فأدرك بعضهم العصر في الطريق ، فقال : لا نصلي حتى نأتيها ، أي ديار بني قرضية ، وقال بعضهم : بل نصلي . لم يُرد منا ذلك ، ذكر ذلك للنبي ، صلى الله عليه وسلم ، فلم يعنف واحداً منهما . فها هنا فريقان فريق تمسك بظاهر النص فأبى أن يصلي إلا في بني قريظة ، حتى لو خرج وقت الصلاة ، وفريق استنبط من النص معنى خصّصَه به ، ففهموا أن المقصود هو الإسراع فصلوا في الطريق وأسرعوا ، ومع ذلك لم يعنف رسول الله أياً منهما ، وقد ذكر ابن القيم - يرحمه الله - في زاد المعاد : أن كلاًّ من الفريقين مأجور بقصده ، إلا أن من صلى حاز الفضيلتين : امتثال الأمر في الإسراع ، وامتثال الأمر في المحافظة على الوقت . . إنما لم يعنف الذين أخروها ؛ لقيام عذرهم للتمسك بظاهر الأمر ، ولأنهم اجتهدوا . . لكنهم لم يصلوا إلى أن يكون اجتهادهم أصوب من الطائفة الأخرى . ونود التركيز هنا على كون إحدى الطائفتين أصوب من الأخرى ، لأن معنى ذلك أن ترك الإنكار لا يكون فقط ، إذا كان القولان متساويين ، بل حتى لو كنت ترى قولك أصوب من الآخر . ومن ذلك قوله ، صلى الله عليه وسلم ، يُنبههم إلى ترك القراءة إذا ما حدث خلاف في بعض أحرف القراءة ، أو فهم بعض المعاني حتى لا تختلف القلوب ، ويحدث الشقاق والنزاع . فأي بيان لمراعاة أدب الخلاف أفضل من هذا ؟ كيف نختلف :
في ضوء ما سبق يمكننا أن نستخلص بعض الآداب التي يجب أن نتحلى بها عند الخلاف . أولاً : بداية ينبغي على المسلمين أن يحاولوا أن لا يختلفوا ما أمكنهم ذلك ، لأن الخلاف شرّ والفرقة عذاب . ثانياً : فإذا ما وقع الخلاف فإن القاعدة في ذلك هي قوله - تعالى - : { وما اختلفتم من شيء فحكمه إلى الله } . فلا بدّ من الردّ إلى كتاب الله وسنة رسوله . ثالثاً : فإن حدث نتيجة اختلاف الأفهام أن بقي خلاف بعد ذلك ، فإن الخلاف في مسائل الفروع لا يُوجد فرقة ولا شقاقاً !! ويمكننا أن نستخلص من سيرة السلف الصالح ما يلي : 1- أنهم كانوا يختلفون ومع ذلك كانوا متحابين متآخين ، فعلى سبيل المثال اختلف أبو بكر وعمر في مسائل مثل سبي المرتدين ، وقسمة الأراضي المفتوحة ، والمفاضلة في العطاء ، ومع ذلك لم يكن بينهما إلا الود والمحبة ، وحينما استخلف أبو بكر عمر وأخذ بعض الناس يخوفونه بالله ، وأنه ولى عليهم فظاً غليظاً ، ويقولون له : ماذا تقول لربك غداً فيقول - رضي الله عنه - " أقول اللهم إني استخلفت عليهم خير أهلك " . 2- كان يُقر بعضهم بعضاً ، ولا يُنكر بعضهم على بعض . يقول ابن أبي العز في شرح الطحاوية بعد كلام له حول هذا الموضوع : " فإن - يرحمهم الله - أقر بعضهم بعضاً ، ولم يبغ بعضهم على بعض ، كما كان الصحابة في خلافة عمر وعثمان يتنازعون في بعض مسائل الاجتهاد ، فيقر بعضهم بعضاً ، ولا يعتدي عليه ، وإن لم يرحموا ، وقع بينهم خلاف مذموم فيبغي بغضهم على بعض إما بالقول مثل تكفيره وتفسيقه ، وإما بالفعل مثل حبسه وقتله . 3- أنهم كان يعذر بعضهم بعضاً في هذه المسائل ، ويقول : لعل له تأويلاً في المسألة ، أو لعلّ الحديث لم يصله ، ولذلك يذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في ( رفع الملام ) : " أننا إن وجدنا لواحد من الأئمة المقبولين قولاً يُخالف حديثاً صحيحاً فلابدّ له من عذر في تركه " . ويقول : " إن جميع الأعذار ثلاثة :
أحدها : عدم اعتقاده أن النبي قاله .
الثاني : عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول .
الثالث : اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ . صور مضيئة من أدب الخلاف عند السلف :
وإليك - أخي القارئ - بعض الأمثلة التطبيقية من سيرة علمائنا الأجلاء ؛ لتعرف كيف كان السلف يختلفون : (أ) لما كتب الإمام مالك الموطأ أراد أبو جعفر المنصور أن يحمل الناس جميعاً عليه ، فأبى مالك - يرحمه الله - فقال : يا أمير المؤمنين أن أصحاب رسول الله قد تفرقوا في الأمصار ، ومع كل منهم علم ، فدع الناس وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم . (ب) وكان الإمام أحمد يرى أن خروج الدم ينقض الوضوء ، ولكنه سئل : أتصلي خلف رجل احتجم ولم يتوضأ ؟ قال : سبحان الله ! كيف لا أصلي خلف مالك ابن أنس وسعيد بن المسيب . (ج) وورد عن الشافعي - يرحمه الله - أنه صلى مع جماعة من الأحناف في مكان قرب قبر أبي حنيفة فترك القنوت في صلاة الصبح مع أنه سنة مؤكدة عنده . (د) وصلى أبو يوسف خلف هارون الرشيد ، وقد احتجم ، وأفتاه مالك بعدم وجوب الوضوء ، فصلى خلفه أبو يوسف ، ولم يعد الصلاة مع أن مذهبه أي أبي يوسف أن الحجامة تنقض الوضوء . وبعد :
فإننا ننبه إلى أن دعوتنا إلى التحلي بأدب الخلاف في الإسلام لا تعني أن نتساهل في أمر العقيدة ، أو أن نلتقي مع بعض الفرق الضالة ! بل نحن نقصد فقط أن يتراحم أهل السنة فيما بينهم ، وأن يعلموا أن التحديات الخطيرة التي تقابلها الأمة الإسلامية تحتم عليها أن ترتفع إلى مستوى المسئولية ، فإن تلك التحديات لا تترك للمخطئين وقتاً يختلفون فيه على مسائل قد اختلف فيها السلف من قديم ، فليسعنا ما وسعهم ، إن كنا حقا متبعين لهم .
إننا نلمح في كتاب الله - عز وجل - إشارات إلى أدب الخلاف ، فمن ذلك ما رواه البخاري عن عبد الله ، قال : كاد الخيّران أن يهلكا أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - رفعا أصواتهما عند النبي ، صلى الله عليه وسلم ، حين قدم عليه ركب من بني تميم ، فأشار أحمدهما بالأقرع بن حابس ، وأشار الآخر بالقعقاع بم معد بن زرارة ، فقال أبو بكر لعمر : ما أرد إلا خلافي ، قال عمر : ما أردت خلافك ، فارتفعت أصواتهما في ذلك ، فأنزل الله - تعالى - : { يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي } . الآية . . قال ابن الزبير : " فما كان عمر يسمع رسوله الله ، صلى الله عليه وسلم ، يعد هذه الآية حتى يستفهمه " . وهذا النص يوضّح لنا كيف نختلف في الرأي ومع ذلك لا يعتدي بعضنا على بعض ، ولا ترتفع أصواتنا عند الخلاف . ومن ذلك قوله - تعالى - : { ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله . . } . الآية . . وكانوا قد اختلفوا في قطع الأشجار ، فقطع قوم وترك آخرون ، فجاء القرآن مُقراً لكليهما غير مُعنف لأي منهما . ومن ذلك قوله - تعالى - : { وداود وسليمان إذ يحكمان الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين . ففهّمناها سليمان وكلا آتينا حكماً وعلماً . . } الآية . . فخص سليمان بالفهم ، وأثنى عليهما بالحكم والعلم ، ومن هذين النصين نستخلص : أن القرآن الكريم يذكر طائفتين اختلفا ، ومع ذلك لا يذمّ واحدة منهما ؛ ليعلّمنا أنه في مثل هذه الأمور ينبغي أن يقرّ بعضنا بعضاً . وفي قصة سليمان وداود ما يشير - والله أعلم - إلى أن الرأيين ليسا متساويين ، بل حكم سليمان أصوب ؛ لأنه خص بالفهم ، ومع ذلك أثنى عليهما جميعاً بالحكم والعلم . أدب الخلاف في السنة النبوية :
وقد نجد في سنة رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ما يعلّمنا أدب الخلاف - أيضاً - ، فمن ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم من أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال يوم الأحزاب : " لا يُصلين أحدكم العصر إلا في بني قريضة " . فأدرك بعضهم العصر في الطريق ، فقال : لا نصلي حتى نأتيها ، أي ديار بني قرضية ، وقال بعضهم : بل نصلي . لم يُرد منا ذلك ، ذكر ذلك للنبي ، صلى الله عليه وسلم ، فلم يعنف واحداً منهما . فها هنا فريقان فريق تمسك بظاهر النص فأبى أن يصلي إلا في بني قريظة ، حتى لو خرج وقت الصلاة ، وفريق استنبط من النص معنى خصّصَه به ، ففهموا أن المقصود هو الإسراع فصلوا في الطريق وأسرعوا ، ومع ذلك لم يعنف رسول الله أياً منهما ، وقد ذكر ابن القيم - يرحمه الله - في زاد المعاد : أن كلاًّ من الفريقين مأجور بقصده ، إلا أن من صلى حاز الفضيلتين : امتثال الأمر في الإسراع ، وامتثال الأمر في المحافظة على الوقت . . إنما لم يعنف الذين أخروها ؛ لقيام عذرهم للتمسك بظاهر الأمر ، ولأنهم اجتهدوا . . لكنهم لم يصلوا إلى أن يكون اجتهادهم أصوب من الطائفة الأخرى . ونود التركيز هنا على كون إحدى الطائفتين أصوب من الأخرى ، لأن معنى ذلك أن ترك الإنكار لا يكون فقط ، إذا كان القولان متساويين ، بل حتى لو كنت ترى قولك أصوب من الآخر . ومن ذلك قوله ، صلى الله عليه وسلم ، يُنبههم إلى ترك القراءة إذا ما حدث خلاف في بعض أحرف القراءة ، أو فهم بعض المعاني حتى لا تختلف القلوب ، ويحدث الشقاق والنزاع . فأي بيان لمراعاة أدب الخلاف أفضل من هذا ؟ كيف نختلف :
في ضوء ما سبق يمكننا أن نستخلص بعض الآداب التي يجب أن نتحلى بها عند الخلاف . أولاً : بداية ينبغي على المسلمين أن يحاولوا أن لا يختلفوا ما أمكنهم ذلك ، لأن الخلاف شرّ والفرقة عذاب . ثانياً : فإذا ما وقع الخلاف فإن القاعدة في ذلك هي قوله - تعالى - : { وما اختلفتم من شيء فحكمه إلى الله } . فلا بدّ من الردّ إلى كتاب الله وسنة رسوله . ثالثاً : فإن حدث نتيجة اختلاف الأفهام أن بقي خلاف بعد ذلك ، فإن الخلاف في مسائل الفروع لا يُوجد فرقة ولا شقاقاً !! ويمكننا أن نستخلص من سيرة السلف الصالح ما يلي : 1- أنهم كانوا يختلفون ومع ذلك كانوا متحابين متآخين ، فعلى سبيل المثال اختلف أبو بكر وعمر في مسائل مثل سبي المرتدين ، وقسمة الأراضي المفتوحة ، والمفاضلة في العطاء ، ومع ذلك لم يكن بينهما إلا الود والمحبة ، وحينما استخلف أبو بكر عمر وأخذ بعض الناس يخوفونه بالله ، وأنه ولى عليهم فظاً غليظاً ، ويقولون له : ماذا تقول لربك غداً فيقول - رضي الله عنه - " أقول اللهم إني استخلفت عليهم خير أهلك " . 2- كان يُقر بعضهم بعضاً ، ولا يُنكر بعضهم على بعض . يقول ابن أبي العز في شرح الطحاوية بعد كلام له حول هذا الموضوع : " فإن - يرحمهم الله - أقر بعضهم بعضاً ، ولم يبغ بعضهم على بعض ، كما كان الصحابة في خلافة عمر وعثمان يتنازعون في بعض مسائل الاجتهاد ، فيقر بعضهم بعضاً ، ولا يعتدي عليه ، وإن لم يرحموا ، وقع بينهم خلاف مذموم فيبغي بغضهم على بعض إما بالقول مثل تكفيره وتفسيقه ، وإما بالفعل مثل حبسه وقتله . 3- أنهم كان يعذر بعضهم بعضاً في هذه المسائل ، ويقول : لعل له تأويلاً في المسألة ، أو لعلّ الحديث لم يصله ، ولذلك يذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في ( رفع الملام ) : " أننا إن وجدنا لواحد من الأئمة المقبولين قولاً يُخالف حديثاً صحيحاً فلابدّ له من عذر في تركه " . ويقول : " إن جميع الأعذار ثلاثة :
أحدها : عدم اعتقاده أن النبي قاله .
الثاني : عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول .
الثالث : اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ . صور مضيئة من أدب الخلاف عند السلف :
وإليك - أخي القارئ - بعض الأمثلة التطبيقية من سيرة علمائنا الأجلاء ؛ لتعرف كيف كان السلف يختلفون : (أ) لما كتب الإمام مالك الموطأ أراد أبو جعفر المنصور أن يحمل الناس جميعاً عليه ، فأبى مالك - يرحمه الله - فقال : يا أمير المؤمنين أن أصحاب رسول الله قد تفرقوا في الأمصار ، ومع كل منهم علم ، فدع الناس وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم . (ب) وكان الإمام أحمد يرى أن خروج الدم ينقض الوضوء ، ولكنه سئل : أتصلي خلف رجل احتجم ولم يتوضأ ؟ قال : سبحان الله ! كيف لا أصلي خلف مالك ابن أنس وسعيد بن المسيب . (ج) وورد عن الشافعي - يرحمه الله - أنه صلى مع جماعة من الأحناف في مكان قرب قبر أبي حنيفة فترك القنوت في صلاة الصبح مع أنه سنة مؤكدة عنده . (د) وصلى أبو يوسف خلف هارون الرشيد ، وقد احتجم ، وأفتاه مالك بعدم وجوب الوضوء ، فصلى خلفه أبو يوسف ، ولم يعد الصلاة مع أن مذهبه أي أبي يوسف أن الحجامة تنقض الوضوء . وبعد :
فإننا ننبه إلى أن دعوتنا إلى التحلي بأدب الخلاف في الإسلام لا تعني أن نتساهل في أمر العقيدة ، أو أن نلتقي مع بعض الفرق الضالة ! بل نحن نقصد فقط أن يتراحم أهل السنة فيما بينهم ، وأن يعلموا أن التحديات الخطيرة التي تقابلها الأمة الإسلامية تحتم عليها أن ترتفع إلى مستوى المسئولية ، فإن تلك التحديات لا تترك للمخطئين وقتاً يختلفون فيه على مسائل قد اختلف فيها السلف من قديم ، فليسعنا ما وسعهم ، إن كنا حقا متبعين لهم .
8:49 م
الاشتراك في:
الرسائل
(
Atom
)
تطبيقنا على الأندرويد
سحابة الكلمات الدلالية
- 5 دقائق
- اتعلم الفيس بوك
- اخر الاخبار
- إعمار مصر
- التسويق الإلكتروني
- ثيمات فيس بوك ، شكل للفيس بوك ، فيس بوك ، تغيير شكل الفيس بوك ، تغيير لون الفيس بوك
- خلاصات كتاب المدير ورجل الأعمال
- خواطر - شعر - زجل
- سوق علمني
- صافيناز ، الراقصة صافيناز ، الرقاصة صافيناز ، فيديو صافيناز ، صافيناز في فيلم ،
- طيور الجنة
- عجائب وغرائب
- عصير الكتب تلخيص
- علمني اسلامي
- علمني ديني
- علمني شكراً
- كارتون
- كتب. pdf
- كلام في السياسة
- للكبار فقط
- مجلة نون
- نون
- هكر فيس بوك ، الحماية من اختراق الفيس بوك ، ازاي احمي اكاونت الفيس بوك من الهكر
- ي
- يوتيوب نون
- Teach me English